من لا يشكر الناس
لا يشكر الله تعالى   

حوار جريء لجريدة عكاظ عن تردي الأوضاع في جهازنا الإداري والبيروقراطية التي تضرب أطنابها


منذ أن بدأت العمل في المجال الطبي لم أكن راضيا عن الوضع الصحي آنذاك إطلاقا، فقررت أن يكون لي دور في إصلاح الأوضاع بشيء من الجرأة في اتخاذ القرار بعيدا عن النظام الروتيني. لم أخشى ضياع الوظيفة أو الفصل عند الخطأ؛ لرغبتي في إحداث شيء خلاف المألوف في الخدمات الصحية، وضاعف من مسؤولياتي ما كنت أشاهده في المستشفيات العالمية أثناء مرافقتي لعمي خلف عاشور أطال الله في عمره لعلاج ابنتيه، وتأثرت كثيرا بالمستوى الطبي فيها وقارنت بينها وبين الطب في بلدي فحاصرني الحزن والأسى.
بداية انطلاقاتي في مستشفى الملك سعود في الميناء عام 1402هـ، حين لقبت في حينها بالمتمرد؛ لعدم رضائي عن الوضع الطبي.. ثمة تحدٍ في إصلاح الوضع القائم من الناحية الهندسية والإنشائية وتحسين أوضاع القائمين على العمل، ولذلك اهتممت بدعم الكوادر العاملة وبالتجهيزات الطبية المتقدمة، ولم أستمر طويلا بعد موقف تصادمي حدث مع الدكتور نزيه نصيف عندما قام بجولة على المستشفى فشاهد وجود (يود) على الشراشف وطبيب يصلي في المسجد المجاور، فقرر أن يخصم على بعض العاملين من أسبوع إلى عشرة أيام، فاحتججت على الخصم بأنه غير منطقي فكتب لي: أنت تنفذ التعليمات ولا تناقشها، فرددت على نفس خطابه بأن التعليمات التي لا تبنى على منطق لن تنفذ، وتركت العمل وذهبت للدكتور عدنان جمجوم وأبلغته بموقفي، فطلب مني أن أتولى إدارة مستشفى الولادة والأطفال، فاعترض نزيه نصيف على بقائي في الوزارة لكن دفاع الدكتور جمجوم عني فرض الأمر الواقع، واشترطت أن لا تكون لنزيه نصيف صلة بي نهائيا وأن تكون كل صلاحياتي من الدكتور عدنان جمجوم على أن أقوم بتحسين وضع المستشفى في ثلاثة أشهر، فمكثت خمس سنوات بعد أن كسبت التحدي معه، فقد كان يرى بأن مستشفى الولادة والأطفال لا بد من إزالته لعدم جدوى إصلاحه وبناء بديل. واختلفت معه في هذه النظرة وحدث تحدٍ في ذلك بيننا، وخلال فترة لا تزيد عن أربعة أشهر تم تغيير المستشفى تغييرا جذريا، حيث بدأت بالناحية الإنشائية والهندسية والتجهيزية لأنها الأساس لأي تطوير، ثم بعد ذلك ركزت على تطوير القوى العاملة. وسافرت شخصيا إلى بعض الدول مثل الفلبين وبريطانيا والسودان ومصر برفقة بعض الزملاء لاختيار الكوادر الطبية للعمل في المستشفى، متجاوزا التعليمات والأنظمة المعمول بها آنذاك، حيث لا يمكن التعاقد مع أي موظف إلا عن طريق وزارة الصحة، كما يتم اختيار القوى من الخارج من قبل لجان ومندوبين من الوزارة وفرضها على المستشفيات، فاعترضت على هذا الأسلوب لعدم كفاءة ودقة الاختيار ومطابقته لاحتياج المستشفى. ولا أنسى التشجيع الكبير من الدكتور غازي القصيبي، وزير الصحة آنذاك، وكذلك الدكتور نزيه نصيف وكيل الوزارة فرغم الاصطدام الكبير الذي حصل بيني وبينه طوال فترة وجوده في الوزارة إلا أنه نسي كل شيء عندما شاهد التغيير ودعم المستشفى.

• الغريب أنهم كافأوك بإدارة مستشفى كبير رغم مخالفتك للتعليمات، وهذا سبق يحدث نادرا في وزاراتنا؟
ــ بصراحة توليت إدارة المستشفى في فترة قحط وقلة موارد، ولولا طموح العاملين معي في المستشفى لما نجحت، ولا أخفيك أنني ظللت أكثر قناعة بعد تجربتي في مستشفى الولادة والأطفال بأن المبالغ التي تدفع من خارج الوزارة ثمرتها وبركتها أفضل من مبالغ الوزارة التي تدور في أروقة الروتين والتعقيد، وتأتي بعد انتهاء الهدف منها. وأعترف مرة أخرى بأنني اعتمدت في عملي على عدم التقيد بالأنظمة والتعليمات المعوقة للعمل، فلو اتبعتها ما أنجزت شيئا، وتفهم ومشاركة العاملين في المستشفى والعمل كأسرة واحدة، والأهم من ذلك كله عدم الاعتماد على وزارة الصحة في توفير الموارد بل على القطاعين العام والخاص، حيث وجدت دعما كبيرا في كل ما احتجت إليه، وسأقول لك سرا لا يعرفه أحد وهو أنني حوربت جدا من الداخل وقام عدة أشخاص ممن يعملون معي بتسريب معلومات لهيئة الرقابة وديوان المراقبة العامة، وكنت أعترف للجان التحقيق بكل ما حدث وأشرح لهم سبب مخالفاتي والمصلحة المرجوة منها فكانوا يجدون لي العذر ويساعدونني في وضع الحلول لإيمانهم بما فعلت، وأنا أدين لهم بالفضل وللأستاذ عبدالهادي المنصوري الذي سألني في إحدى المرات: هل أرسلت طبيبة إلى الخارج وخالفت نظام الوزارة في الابتعاث، فأخبرته بأنني أرسلت أكثر من ستين طبيبا وطبيبة وهم الذين يقودون الجهاز الطبي في المستشفى بأداء عال، فكان يقول لي: لن أتقاضى عن مخالفاتك، ولكنني في الوقت نفسه لا أستطيع أن أقف ضدك أيضا، وأتذكر أنه أدخل الأمير ماجد رحمه الله في الموضوع، وقال له: أنا أؤمن بكل ما فعله أحمد عاشور وأريدك أن تقف معه، وهو الأمر الذي أدهش الأمير ماجد.

• كيف ينجح أي عمل في مثل هذه الصراعات اليومية؟
ــ علاقتي ظلت مع الوزارة أشبه بـ(معركة يومية)، والمشكلة في طريقة تفكيرهم وليست في أحمد عاشور لأنني كنت أطبق ما أراه صائباً وفي مصلحة المرضى وتستطيع أن تقول أنني كنت أستمتع بمخالفة النظام والتعليمات الخاطئة التي تعرقل العمل، وكمثال بسيط لهذه المسألة فقد أدخلت نظام البطاقة الإلكترونية الآلية للمرضى قبل حوالي 25 سنة في مستشفى الولادة والأطفال في جدة، وعند محاولة تطبيق الملف الإلكتروني على بقية المستشفيات وقفت البيروقراطية وحالت دون تطبيقها، بالرغم من عدم احتياج البرنامج لإمكانيات كبيرة، فهل تريد أكثر من ذلك.

• المقربون منك يقولون إنك تجاوزت حدودك كثيرا كمدير مستشفى في عهد وزير الصحة فيصل الحجيلان؟
ــ أعترف لك بصراحة أنني أخجل من نفسي الآن عندما أقرأ كتاباتي لهذا الرجل الخلوق والدبلوماسي وطيب المعشر بما فيها من عنف وقسوة، ولكن يشفع لي أنني كتبتها من أجل المصلحة العامة، ولا أنسى ما له من فضل، فقد تحملني كثيرا وكنت دائما أصطاده لأحل مشاكلي عندما يأتي إلى جدة فأستقبله في المطار وأصطحبه معي في سيارتي إلى أن نصل للديوان الملكي فيستقل سيارته الخاصة وأودعه بعد أن أنجزت مهمتي وهكذا، ففي إحدى المرات أخبرته بأمر فقال لي: إنني إذا أيدتك في هذا الموضوع فهذا يعني موافقتي عليه في أنحاء المملكة ولأنه أمر مخالف للنظام فلا أنت قلت لي ولا أنا سمعت منك ولكنني أؤيدك في الموضوع واستمر فيه فإن حدث لك شيء فأنا سأحميك.

• وزدت الطين بلة بالشكوى التي قدمتها للملك فهد عن الوزارة كلها؟
ــ اشتكيت وزارة الصحة مرتين وليست واحدة، لكنني في المرة الثانية خرجت من الديوان وذهبت بعدها مباشرة للسلام على الوزير فيصل الحجيلان فسألني عن سبب وجودي فأخبرته أنني اشتكيت الوزارة عند الملك وأعطيته صورة من الشكوى بكل وقاحة مني فأخذها وقرأها ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، الله يهديك! ثم فاجأني بقوله: تتغدى معايا اليوم. تصور أي شخص يعمل معك بهذه الأخلاق وهو وزير الصحة الوحيد الذي زارني في بيتي في جدة.

• دكتور.. كيف تجرأت على إنشاء كلية تمريض للبنات في السر وكأن البلد ليس فيها وزارة مسؤولة عن هذا القطاع؟
ــ أنا لم أخالف القانون، وإنما استغللت الثغرات القانونية التي تمنحني الحق في تحقيق حلم لبنات بلدي، والفكرة بدأت بعد أن نفذت البرنامج التدريبي الأول للممرضات في المستشفى فلمست مدى الحاجة الكبيرة لرفع مستوى المساعدين الصحيين فقررت إنشاء كلية لهذا الغرض وأخذت الموافقة الرسمية من وزارة الخدمة المدنية لأنني واثق بأن وزارة الصحة لن توافق على فكرتي، ولم يكن لديها ذلك الوقت سوى معاهد تمريض، واستقدمت 23 معلمة بريطانية دون علم الوزارة، وكنت في كل سنة أسجل ستين طالبة من خريجات الثانوية العامة، واعتمدنا الدراسة كلها باللغة الإنجليزية في سبعة تخصصات طبية وتولت إدارة الكلية معلمة بريطانية كنت أسميها (ليوتانت ماكايفر) لشخصيتها القوية والحازمة، وكانت شهادة الكلية معترفا بها في أوروبا، كما أن امتحانات الطالبات تتم عن طريق ممتحنين بريطانيين متخصصين. وحرصت على أن يكون مقرها في المجمع السكني، وكان الشيخ محمد علي مغربي رحمه الله يدفع جزءا من رواتب الطالبات.

• طبعا الوزير لم يكن يعلم بشيء؟
ــ لم يعلم بالموضوع إلا بعد أربع سنوات ونحن نستعد للاحتفال بتخريج الدفعة الأولى، ومهدت لنفسي الطريق بإبلاغه بالأمر عندما زارنا في المستشفى فقلت له: أريد أن أريك شيئا، على شرط أن لا تعترض عليه وأن تقف معي، ولكنه لم يعدني بشيء، وقال: سأحكم عندما أشاهد بعيني، فأخذته بالسيارة ودخلنا إلى المجمع السكني ووقفنا أمام مبنى مكتوب على لوحته (وزارة الصحة ــ كلية العلوم الطبية للبنات) فالتفت إلى وقال: الوزارة فيها كلية! فأخبرته أنها تعمل منذ أربع سنوات، وطلبت منه أن ندخل المبنى فتوقف وقال بشيء من الرهبة: كيف ندخل عليهم. فأخبرته بأن هؤلاء الطالبات سيعملن في المستشفى غدا والأمر عادي، ومع دخولنا استقبلته المديرة (ماكايفر) وقام بجولة اطلع وسمع وناقش فيها كل شيء مع المعلمات والطالبات واستمرت زيارته المقرر لها نصف ساعة لأكثر من ثلاث ساعات، ثم غادرنا وانتظرت أن يقول لي شيئا فلم ينبس بشيء، وبعدها اتصل بي محمد القويحص وقال لي: اليوم وبخنا بسببك من الوزير، وفي اليوم الثاني جاء كل من في الوزارة للاطلاع على الكلية، التي لم تستمر وللأسف بعد وضع الدكتور أسامة شبكشي يده عليها، فاستقال كل العاملين فيها وعادوا إلى بلدهم وانتهى الحلم قبل أن يبدأ.

• من الأشياء التي خالفت فيها النظام قيامك بإنهاء عقود ممرضات وتسفيرهن إلى بلدانهن دون إبلاغ الوزارة بذلك؟
ــ هذا صحيح، وكثيرا ما حماني الأمير ماجد من المخالفات التي فعلتها من أجل مصلحة المرضى، واضطررت في حادثة الممرضات اللاتي ارتكبن مخالفات أخلاقية لتأديب الآخرين، فأخذتهن بشكل عاجل بعد التحقيق معهن وأعدتهن إلى بلادهن، فأرسلت لي الوزارة لجنة للتحقيق في الموضوع، بسبب عدم إبلاغ الوزارة التي من مسؤوليتها التحقيق في الموضوع، فقلت لهم إنني تصرفت لأدب الآخرين ولأعلم الناس بما جرى من قرار ولن أنتظر الوزارة، فرفضوا كلامي وطلبوا فتح التحقيق، فوافقت واستأذنتهم في الخروج والعودة سريعا، ومن باب المستشفى إلى قصر الأمير ماجد وأخبرته بكل ما جرى فقال لي: قل للجنة التحقيق إنك نفذت أوامر أمير المنطقة، فعدت إليهم وألقيت عليهم الخبر كالصاعقة وأقفل المحضر وقس على ذلك كثيرا.

• مثل هذا الدعم دفعك لاستعراض عضلاتك على الوزارة في قضية مكيفات المستشفى؟
ــ لم أرغب يوما في استعراض عضلاتي على أحد بقدر ما كنت حريصا على أن أعمل بشكل صحيح وتطبيق الأفكار بعيدا عن الروتين. والذين يعرفون من هو أحمد عاشور والمصلحة التي يقاتل من أجلها هم الذين دعموني ووقفوا معي، ولا أنسى ما حييت فضل الشيخ محمد النويصر رحمه الله ودعمه لي بصورة لا تتخيلها، لدرجة أنني ما طلبت منه شيئا للمستشفى إلا ووجدت منه كل ترحيب، وأخذت منه تفويضا بإرسال أي مريض يحتاج للعلاج خارج المملكة دون الرجوع إلى الديوان والكتابة فيما بعد ولم أستقل هذه الميزات في يوم من الأيام. أما موضوع المكيفات فلا أنسى وقفته معي عندما رفض الوزير أسامة شبكشي دفع قيمتها من الوزارة وقال لي: استقطعها من بند الصيانة والنظافة، ثم قام بإقصاء تسعين موظفا من قطاع الصيانة والنظافة ليوفر من رواتبهم، فأحدث بهذه الخطوة عجزا كبيرا في المستشفى، وقال: هذا ما سيتم العمل به. فرفضت كلامه وذهبت للشيخ النويصر وأخبرته بما حدث، فطلب مني أن أكتب للملك فهد بالحرف الواحد: إما أن توجه وزارة المالية بصرف المبلغ أو أن يكون هبة من المقام الكريم، وهذا الكلام كان يوم الأحد وفي صباح يوم الثلاثاء وجدت الشيك على مكتبي، وتوقعت أن الموضوع قد انتهى لأفاجأ بطلب الوزارة تسليم الشيك لهم، فرفضت؛ لأنني تعاقدت مباشرة مع الشركة نفسها التي باعت للوزارة جهازي تكييف مستشفى الملك فهد في المدينة المنورة باثني عشر مليونا، ومن ثم فستكلف الشركة الوزارة ضعف المبلغ لتوفير أربعة مكيفات لمستشفى الملك فهد في جدة، بينما قمت بالاتفاق مع الشركة بشكل مباشر واتفقت معهم فقط على دفع 7.5 مليون ريال للمكيفات الأربعة، وهذا بن لادن موجود ويسأل عن الموضوع عندما تبرع بإحضار المكيفات التي تزن مائة وثلاثين طنا بدون أرباح إضافية ونقلناها من أمريكا إلى جدة على طائرات الشحن السعودية مجانا، كما تم إعفاؤها من الجمارك بتوجيه من الديوان الملكي فتصور كم وفرنا من مبالغ إضافة إلى ما كان سيؤكل أيضا، ورغم هذا يتصل بي الدكتور رضا خليل وكيل الوزير ويقول إن الوزير يطلب إرسال الشيك لتعميد الشركات، لأن صلاحيتك كمدير مستشفى لا تتجاوز مائتي ألف ريال كشراء مباشر فاضطررت للعودة إلى النويصر وإبلاغه بالأمر فقال لي: يا أحمد هل تعتقد أننا لا نعرف عنوان وزارة الصحة. مادام الشيك مكتوبا باسمك فأنت من سيتصرف. طبعا هذا الأمر لم يعجب الكثير من المسؤولين في الوزارة.

• ما مدى صحة أنك منعت مدير الشؤون الصحية حسن غزنوي من الدخول إلى المستشفى؟
ــ من حقي أن أفعل ذلك، بل لم أكن أسمح حتى للمدير العام بالدخول، إلا الدكتور عدنان جمجوم رحمه الله، فقد كان يزورني بشكل أخوي.

• انتقد الكثيرون تخصيصك جناحا خاصا في الدور الخامس بالمبنى لأصدقائك من الإعلاميين ورجال الأعمال، وهو ما لم يحظ به الإنسان العادي الذي كان يجد نفسه أحيانا شريكا مع مريض آخر في غرفة مزدوجة
ــ بداية.. الأرقام تؤكد أنني استلمت المستشفى ولم تتجاوز نسبة المراجعين السعوديين 25 في المائة وتركته والنسبة تتجاوز 90 في المائة.. وظللت حريصا على أن ينال الفقير الخدمة الكافية، بل كنت أجلب أدويتهم بنفسي، أما الأغنياء فأطلب منهم أن يشتروها من الخارج، والأهم من هذا كله أن علاقتي مع العامة أكثر من الكبار والمسؤولين الذين نسوا أحمد عاشور.

• يقال بأن مركز الكلى في مستشفى الملك فهد في جدة مازال يتكئ على عكاز أحمد عاشور؟
ــ لولا طموح بعض العاملين معي وعلى رأسهم الدكتور فيصل شاهين لما حققنا أي شيء، وعندما جئت للمستشفى مررنا بمرحلة قحط وضعف في السيولة المالية فأخذت من الجامعة المباني الجاهزة التي استغنوا عنها، والغريب أنها مازالت مستمرة كمبان للمركز منذ عشرين عاما، مع أنه يفترض التخلص منها بعد عشر سنوات، وقمت بجمع كل الأجهزة المعطلة في المستشفيات الحكومية وعملت لها صيانة شاملة وأحضرت الشركات وخلقت بينها تنافسا، وبوجود الدكتور رضا عبيد مدير الجامعة آنذاك سئلت عن تكلفة الثمانين جهازا فأخبرته أنها لم تتجاوز مليونين وثلاثمائة ألف ريال بما فيها قيمة المبنى أيضا، فصعق وقال: غير معقول؛ لأننا اشترينا ثمانية أجهزة للمستشفى الجامعي بحوالي اثني عشر مليون ريال، فأعطيته كتيبا بكل خطوات المشروع ووجود فائض بمبلغ سبعمائة ألف ريال من تبرعات المحسنين أيضا.

• البعض فسر قيام البروفيسور حسان رفه بإجراء أول عملية قلب مفتوح في مستشفى خاص، مع أنه يعمل في مستشفى الملك فهد تلك الفترة، بأنها نتاج صراع شخصي معك؟
ــ أنا لم أكن على خلاف معه أصلا، لكن الحقيقة أن واحدا من أسباب تعييني مديرا لمستشفى الملك فهد في جدة هو رغبة الوزارة في حل المشاكل التي كان يحدثها الدكتور إحسان رفه، الذي كان على خلاف وتوتر في علاقته معها، ولهذا لم يلق الدعم الكافي ليجري هذه العملية في المستشفى فأجراها في مستشفى خاص، والرجل أجرى بعد ذلك عمليات عديدة أكثر أهمية من عملية القلب المفتوح في المستشفى بعد أن توفرت الإمكانيات.

• يبدو أنهم لا يدعمون من يختلف معهم؟
ــ لن أذيع سرا إذا قلت لك إن ما صرف على تطوير مستشفى الملك فهد على مدى ثماني سنوات لم يتجاوز ثمانية ملايين ريال، وبعد خروجي من المستشفى بعدة أشهر تم صرف مائة مليون ريال لعملية التطوير في عهد الوزير السابق الدكتور حمد المانع وعليك أن تقيس الفرق.

• وما هي مشكلتك مع المانع؟
ــ على العكس لم يكن بيننا أي مشكلة، والرجل بادر بالاتصال بي بعد تعيينه وزيرا، وقال لي: سمعت بالمشاكل التي حدثت بينك والشبكشي وأريد أن أضع يدي بيدك لنعمل سويا، ولك كامل الصلاحيات التي تريدها، وسوف أزور المنطقة غدا وأريد أن نلتقي، فرحبت بما قاله وانتظرناه أن يزورنا في اليوم التالي، ولكنه لم يأت، وعرفنا أنه سافر عائدا إلى الرياض في المساء، وفوجئت في صباح اليوم التالي بخطاب إعفائي من منصبي.

• دعني أسألك عن تفاصيل خلافك الشهير مع الدكتور أسامة شبكشي وزير الصحة الأسبق بشأن عملية زراعة الرحم التي تمت في مستشفى الملك فهد في جدة لإحدى السيدات السعوديات واتهام الفريق بفشل العملية؟
ــ هذه العملية استمرت 99 يوما، وتم إطلاع معاليه عليها منذ البداية، مع أن مثل هذه الأمور لابد أن يكون فيها نوع من التكتم. لأنها تحدث لأول مرة في العالم، كما تم إعلام كبار المسؤولين، واتفق الجميع في هذا الوقت على تأجيل الإعلان عن هذه العملية حتى اكتمال عناصر نجاحها ورفع تقرير يومي لمعالي وزير الصحة. وبعد عدة أيام من إجراء العملية بدأت المريضة تأخذ وضعها الطبيعي، وتجاوزت مرحلة الخطر واستجاب العضو المزروع للمؤثرات، فطلبنا من الوزير الإذن بإعلان هذا الخبر من خلال مؤتمر صحافي، وفي اليوم المحدد وقبل بدء المؤتمر بساعة أبلغت من قبل مدير عام الشؤون الصحية بتوجيهات وزير الصحة بإلغاء المؤتمر الصحافي، فأوقفت المؤتمر احتراما لطلب الوزير. وحاول الدكتور حسان رفه والدكتورة وفاء فقيه والدكتور حسين جياد، وهم أعضاء في جامعة الملك عبدالعزيز، إعلان الخبر للصحافة عن طريق الجامعة مباشرة، لكن فوجئنا أيضا بتدخل بناء على اتصال من وزير الصحة بوقف نشر الخبر عن العملية، وبدأنا نبحث ونسأل عن أسباب هذا التصرف ولكن دون إجابة، ثم تطور الموقف وأخذ الموضوع منحنى أخطر بإحالة الفريق الطبي للتحقيق وتشكيل لجنة للبحث في هذا الموضوع.

• الدكتور أسامة قال وقتها إنها ليست أول عملية تجرى في العالم، فهناك عشرون عملية قبلها؟
ــ لم يستطيع الدكتور أسامة شبكشي إثبات ما ذكر، بل إنه قال أمام المجلس إن العملية لا تعتبر ناجحة إلا إذا مر عليها شهران أو ثلاثة، وتأتي للمرأة خلالها الدورة الشهرية، كما شكك في موضوع «الفتوى الشرعية»، علما أن الفتوى صادرة من مجلس علمي عال معترف به.

• قيل أيضا بأنكم لم تأخذوا الإذن بإجراء العملية، بل إنكم لم تستأذنوا السيدة المتبرعة في استئصال الرحم؟
ــ هذا الكلام كله غير صحيح وأشيع حينها، وهذه العملية لم تكن تجربة، بل سبقتها دراسات وأبحاث عديدة. لكن المشكلة تطورت سريعا بشكل استفزازي إلى أن وصلت إلى (التهديد بالسجن)، فذهبنا عصر ذلك اليوم لمقابلة صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز في مكتبه دون موعد، ورافقنا شقيق السيدة المتبرعة وزوج السيدة المستقبلة للرحم. وعندما هممت بشرح الموضوع أوقفني سموه عن الحديث وقال: أنا أعرف سبب مجيئكم وأعرف كل الأحداث عن هذا الموضوع، وموضوعكم عرض بالأمس على سيدي خادم الحرمين الشريفين أمام المجلس وهو غير راض عن ما حصل.. أنا أتقدم باسمي كمسؤول في الدولة بالاعتذار عن التصرف الذي حدث تجاهكم من البعض وأنتم أولادنا.. والشيء الذي قمتم به نفتخر به ويرفع الرأس. وفي مساء اليوم التالي تلقيت اتصالا هاتفيا من سموه شخصيا وأبلغني بأن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد أصدر أمره الآن بنشر خبر نجاح العملية في جميع الصحف المحلية والعالمية وكلف صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف للإشراف على ذلك، وأن تتولى وزارة التعليم العالي المسؤولية بدلا من وزارة الصحة. وخلال 48 ساعة عقد المؤتمر الصحافي وتم إعلان الخبر وتم تكريم الفريق الطبي بحضور وزير الصحة.

• بعد أن غادر كل منكما في طريق، كيف تسير علاقتكما الآن؟
ــ تظل رغم كل ما حدث علاقة صداقة ومودة واحترام وأتحدث معه باستمرار.

• دكتور.. هل استعدت الأموال التي دفعها والدك في إعادة بناء مستشفى الولادة والأطفال؟
ــ لم يكن يحب رحمه الله أن يذكر اسمه في مثل هذه الأمور، والأموال التي دفعها، ولا أعتقد أننا سنستعيدها من الوزارة، تتجاوز عشرة ملايين ريال مابين مستشفى الولادة والأطفال ومستشفى الملك فهد.

• طالبتهم ورفضوا؟
ــ لم ولن أطالب الوزارة بشيء.

• مادمنا نتحدث عن البيئة.. فهل لعلاقتك المتوترة مع وزارة الصحة دورها في قبولك موقع المستشار في الأرصاد وحماية البيئة ورفضك لمنصب كبير في الصحة؟
ــ حبي للعمل الميداني والتواصل مع الجمهور دفعني لرفض منصب حكومي في الوزارة، وكنت أتوقع أن أترك عملي في المستشفى في أي وقت بسبب صدامي الدائم مع المسؤولين، أما عملي في الأرصاد فبدأ كمستشار مع الأمير تركي بن ناصر لشؤون البيئة، ولم أفرح كثيرا بهذا الدور لأن الأمير قرر بعد أسبوع الرفع بتعييني وكيلا لشؤون البيئة، وظللت معه لمدة خمس سنوات إلى أن استقلت العام الماضي متفرغا لأعمالي التجارية.

• بعض المقربين قال بأنك قدمت استقالة مسببة من الأرصاد؟
ــ ذكرت في خطاب استقالتي أنني لم أستطع تنفيذ ما يجب تنفيذه وأعتقد أن كلامي واضح.

• صرحت أكثر من مرة بخطورة عدم تعاون الجهات الحكومية مع المؤسسة في شؤون البيئة؟
ــ أكثر من 80 في المائة من مشاكل البيئة في المملكة تتسبب فيها الإدارات الحكومية بسبب الجهل والارتجالية وسوء التخطيط وأتحمل مسؤولية كلامي بالكامل.

• يعني المسألة لا تقف عند حدود الارتجالية في القرارات والفساد المالي فقط؟
ــ والله أنا أرى أن التجاوز أهون من الارتجال، وهذا الكلام يمكن القياس عليه في كل القطاعات.

• آخر سؤال ما الذي تقوله عن وزراء الصحة الذين عاصرتهم؟
ــ حسين الجزائري: وضع أسس التخطيط للصحة لكنه لم يتمكن من تنفيذها. غازي القصيبي: جريء وسابق لعصره، ولم يسعفه الوقت لإثبات وجوده. فيصل الحجيلان: دبلوماسي ومحنك وأخلاقه عالية، عاصر الوزارة في فترة شح الموارد. أسامة شبكشي: حاول قيادة الصحة منفردا فعانت من التوتر. حمد المانع: مر الوقت سريعاً دون تغيير.