من لا يشكر الناس
لا يشكر الله تعالى   

هوس السلطة وجنون العظمة

يتابع العالم بأسره نتائج الإنتخابات الأميركية ومهزلة الصراع على السلطة بين المرشحين "دونالد ترامب" و "جو بايدن" والمسرحية الهزلية المضحكة والمبكية بطولة الرئيس ترامب والتي أصبحت مادةً دسمة للصحافة والوسائط الإجتماعية والإعلامية والشعوب بأسرها للتندُر بها....

قد لا يصدِق العديد من البشر بل يصابوا بالصدمة بأن رئيس أقوى دولة في العالم يتصرف برعونة متل الأطفال ويصرخ كالمجانين للإحتفاظ بلعبة كما نشاهد في أفلام الكرتون للبقاء في منصبه والحفاظ على كرسي الرئاسة...

إن جميع تصرفات الرئيس ترامب علامات واضحة وصريحة لمرض نفسي يدعى "هوس السلطة" او جنون العظمة او الزعامة "ميغالومانيا" “Megalomania” حيث يرى المصاب العالم من خلال نفسه فقط ويختزل كل شيئ في شخصيته. يهتم كثيرا بمظهره وفخامة مكتبه وسكنه وتنقلاته...

إن هذه العوارض ليست مقتصرة على رؤساء الدول بل تشمل جميع القياديين والمستبدين بالسلطة ...

لا يولد أي إنسان بهذه الصفات بل تنشأ نتيجة عوامل وأسباب وراثية وعضوية ونفسية معينة لدى البعض... فعندما يتقّلد أي مسؤول منصباً قيادياً ذو نفوذ وسلطة يشعر بالزهو والخيلاء والعظمة وأنه أفضل وأنقى وأذكى إنسان عن بقيَة أقرانه وأنه المصدر الوحيد للفكر الصحيح على الصعيد العالمي وملهم الشعوب... ثم يبدأ بالتحول تدريجياً الى شخص آخر مختلف عن حقيقته السابقة معتقد بأنه منقذ البشرية ويتعامل بفوقية وتعالي على الجميع... وقد تساهم الصلاحيات والإمكانيات المادية والعسكرية الموضوعة بين يديه في التمادي والغلو في تصرفاته وخصوصاً إن وجد الطاعة العمياء والتشجيع المزيف وعبارات المديح والتملق والتطبيل من الاصدقاء والمقربين والبطانة التي حوله من الإعلام أو عندما يلمس علامات الخوف والخنوع من منافسيه أو المتعاملين معه أو لعدم وجود أنداداَ له... الأمر الذي يجعله يتمادى في غلوِه ويصبح أكثر غطرسة وخصوصاً عندما لا يجد ناصحاً ومرشدأً أميناً لطريق الصواب والحقّ... أو من يردعه ويحاسبه على أفعاله ... ولا يستمع الى نصائح غيره لإعتقاده بأنه دائماً محقّ والرأي الصائب ، لذا فإن الشعوب هي من تصنع أمثال هؤلاء من جبابرة ومهوس السلطة والعظمة... حيث لا يشترط أن يكونوا طغاة أو مستبدين في أفعالهم فهم مسالمين وجبناء وقد يمارسوا صلاحياتهم بالتعالي والإنفرادية أو توزيع الهبات والترقيات والتعيين في مراكز غير مستحقَة ويحتفظ بالمنافقين والمداهنين ممن ينحني لكلمته ويسجد لطاعته ويقبِل الأيادي وألاقدام ويتنازلوا عن كرامتهم وعزَتهم وضمائرهم ويمسحوا الجوخ.

"إن مثل هذا الخضوع والولاء المطلق يؤدي الى تأليه المسؤول وتشجيعه على الغلو في تصرفاته..."

مجنونو العظمة قليلو التهذيب سريعو الغضب يستخدموا جميع اساليب الترهيب والتهديد والإغراء لبسط نفوذهم وسلطتهم والتخلص ممن يخالف رأيهم ويهدد مركزهم.

كما أنهم يبنوا إستدلالاتهم على أوهام وحوادث غير واقعية ويعتقدوا بأن الجميع يرغبوا بالنيل منهم وحياكة مؤامرات خفية ضدَهم ويتفاخروا بالمعرفة والإدعاء بالعلم من جميع النواحي وإنهم أناساً معصومين عن الخطأ ويلقوا باللائمة في أي قصور وأخطاء على الأخرين ويتحاشوا الخسارة وتحمُل المسؤولية ويتعاملوا مع الجميع بكبرياء وغطرسة وتوتر وعصبية...

وبالرغم من طموح هؤلاء وتعدد مواهبهم وقدراتهم المميزة إلا انهم أناسٌ حذرين جداً وقلقين وحساسين يحرصوا على الحفاظ على أمجادهم الذاتية ومكتسباتهم الوظيفية ويتفاخروا بإنجازاتهم سواء علّمية او عسكرية او تجارية تمَت في عهدهم حتى وإن لم يشاركوا في تنفيذها... يكثروا من الوعود والإصلاحات وحب الظهور الإعلامي والحرص على حضور المناسبات كونهم شخصية مميزة بين الجميع وصورهم في كل موقع...

إن مجنوني العظمة مرضى بنشوة السلطة يخشون فقدان مناصبهم وسلطتهم ويرتعبوا لمجرد التفكير في ذلك لذا يُلاحظ عدم تعيينهم نواباً ومساعدين أكفَاء لهم ويحرصوا على التواجد ليلاً ونهاراً لإداء عملهم، قليلو الإجازات ... لا يعترفوا بمرض او عجز ولا يمنحوا صلاحياتهم لأحد ولا يشاركوا الآخرين بأرائهم والمجاملة على حساب المصلحة العامة...

من الملاحظ بأن مهوسي السلطة لا يتركوا مناصبهم طواعية مهما حدث إلا من خلال قرار أعلى او إنتهاء فترة عملهم النظامية حينها يفقدوا السيطرة على أنفسهم وتصرفاتهم ويصابوا بالذعر والقلق والعصبية وقلة النوم والإنعزالية والشك في الجميع والرغبة في حمل كراسيهم معهم ويصبحوا أناساً خطرين، كما حدث مع الرئيس الاميركي ترامب، وقد يتمنوا تدمير كل ما حولهم قبل مغادرتهم المنصب دونما سبب يذكر.

عندما يصبح الأمر واقعياً عند ترك المنصب فإن شعور المذلَة والدونية يصبح المسيطر عليهم وقد يمرضوا بشدة جسدياً ونفسياً وظهور علامات الشيخوخة مع توهان وإنقطاع عن المجتمع والإنعزالية الكاملة حتى مع أسَرهم وفقد الكثير من العلاقات المزيفة التي كانت مبنية على المنصب أو التزيُف...

لذا يجب التعامل وعلاج مثل هذه الأوضاع بحذر شديد عن طريق تحاشي المسبِبات المساعدة على بروز هذه الشخصية وإرغامهم على أخذ الإجازات المقررة وتعيين مساعدين ومنح جزء من صلاحياتهم ووعدهم بمناصب او وظائف شرفية عند إنتهاء خدمتهم النظامية...