من لا يشكر الناس
لا يشكر الله تعالى   

وأخف من بعض الدواء الداء

الحديث عن السعودة وحجم العمالة الأجنبية في بلادنا هو حديث ذو شجون.. وهو كذلك حديث يختلف في بواعثه ومغزاه ومدلولاته باختلاف المتحدث وموقعه ومدى تأثره بالوضع سلبا أو إيجابا.. فعندما يكون المتحدث هو أحد المسؤولين في الجهات الحكومية المعنية نجد أن التركيز يتمحور حول الجهود التي بذلت وتبذل لسعودة الوظائف وما حققته من نجاحات (حسب مفهومه) في خفض مستوى البطالة وتقليص أعداد العمالة الأجنبية.. ولا يفوته أن يجير تلك (النجاحات) لصالح الجهة التي يمثلها أو ينتمي إليها..

وبالمقابل إذا كان المتحدث من الشباب أو أولياء أمورهم فإن شجونهم هنا تدور حول عدم توفر وظائف مناسبة لهم وانزعاجهم من رؤية عمالة غير سعودية تشغل وظائف يرون أنهم أحق بها.

أما إذا كان المتحدث من رجال الأعمال أو أصحاب المشاريع فهموه تتمركز حول شح الأيدي العاملة المناسبة والصعوبات التي يواجهها لاستقدام ما يحتاج إليه من عمالة مدربة.
أما العائلات وربات البيوت فحديثهم في معظمه ينصب على صعوبة الحصول على شغالة أو سائق.. والتكاليف الباهظة التي بات عليهم أن يتحملوها في سبيل ذلك... وهكذا فإن الطروح تتنوع والاستنتاجات تتباين باختلاف موقع المتحدث ضمن مكونات نسيجنا الاجتماعي.

على أننا إذا تجاوزنا حديث المجالس وثرثرات ربات البيوت فإنه يصعب علينا أن نتجاوز ما يصدر عن جهات نعتبرها متخصصة أو أن نمر مرور الكرام على ما تنشره أو تدلي به هيئات يفترض أنها على علم ببواطن الأمور وحقائق الأشياء في بلادنا.

أقول هذا تعليقا على التقرير الصادر من الغرفة التجارية والصناعية بالرياض مؤخرا والذي أشار إلى أن الفرص الوظيفية التي أعلن عنها مركز التدريب والتوظيف بالغرفة منذ بداية هذا العام بلغت 11751 وظيفة في 70 منشأة تعمل في مجالات غذائية وتقنية ومراكز تجارية وخدمية وصناعية وسياحية ومقاولات وشملت وظائف متنوعة للجنسين منها وظائف في خطوط الإنتاج والحسابات ومنها وظائف مهندسين، ومديرو معارض ومدخلو بيانات وبائعون وفنيو الكترونيات واخصائيو كهرباء ولحام وتكييف وغيرهم... وأن عدد المتقدمين لشغل هذه الوظائف لم يتجاوز 1760 شابا وشابة من الباحثين عن العمل.

ومن البديهي أن تقفز إلى مخيلة كل من اطلع على هذا التقرير العديد من الأسئلة الحائرة حول المدلولات الحقيقية لما ورد فيه من إحصائيات فهل يعقل أن يتحدث الجميع عن ندرة الوظائف بالنسبة للسعوديين والسعوديات وعن أعداد العاطلين عن العمل والمصطفين لتلقي إعانات «حافز».
حيث إن الحصول على وظيفة مناسبة قد أصبح حلما دونه خرط القتاد.. ثم تفاجئنا غرفة تجارة وصناعة الرياض بهذه الإحصائيات الصادمة.. خاصة أن المرتبات المحددة لتلك الوظائف تتراوح بين 4000-11000 ريال حسبما ورد في التقرير!

إن أي منصف لا بد وأن يجد تناقضا واضحا بين ما يتداوله الكثيرون من شح الوظائف وما ورد في هذا التقرير من قلة المتقدمين لشغل هذا العدد الكبير من الوظائف الشاغرة ذات المرتبات المجزية..

ولا يمكن فهم هذا التناقض إلا إذا شككنا في صحة إحدى الروايتين فإما أن تكون الإحصائيات التي أوردها تقرير غرفة الرياض غير دقيقة وإما أن تكون نسبة البطالة وأعداد الباحثين عن عمل في بلادنا ليست بالحجم الذي تتداوله الصحافة أو تجري على ألسنة العامة..

على أن البعض قد يستهويه تفسير آخر لهذا التناقض بالقول بأن هذه النتيجة تعكس صورة من عزوف الشباب عن وظائف القطاع الخاص إما لتفضيلهم وظائف القطاع الحكومي أو لأنهم استمرأوا حياة الراحة والخمول والاسترخاء ولا يرغبون في تحمل مسؤولية العمل والتزاماته.. ولست من أنصار هذا الرأي على أي حال..

ولعل من أهم التساؤلات التي يطرحها هذا التقرير بقوة تساؤلات تتعلق بمدى ملاءمة وسلامة الإجراءات التي اتخذتها وتتخذها بعض الجهات الحكومية لتوفير وظائف للسعوديين عن طريق الحد من تواجد العمالة الوافدة.. فقد لمس الجميع عددا من النتائج السلبية لهذه الإجراءات على مختلف الأصعدة كان من أبرزها شكوى معظم الشركات والمؤسسات ورجال الأعمال من انعكاسات غير محمودة على مشاريعهم وأعمالهم التجارية نتيجة عجزهم عن توفير احتياجاتهم من العمالة المناسبة سواء على المستوى الفني أو الإداري... وهو ما سيؤدي إلى تعطيل مسيرة التنمية على المدى البعيد.. بل إن تطبيق هذه الإجراءات قد دفع بعض الشركات إلى إضافة أسماء مواطنين سعوديين إلى قوائمها ومنحهم رواتب دون عمل يؤدونه وذلك لمجرد تغطية نسبة السعودة المطلوبة لمكتب العمل.! وهو ما أوجد ما يسمى بالعمالة الوهمية.. فهل هذا هو ما نطمح إليه فعلا؟ وهل يسعدنا أن تنتهي بنا مسيرة السعودة إلى هذه النهاية غير السعيدة.؟!

وقد تزامنت هذه الإجراءات مع ما أطلق عليه حركة تصحيح أوضاع العمالة والتي هي في الأصل مطلب مشروع ومبدأ لا غبار عليه إلا أن الطريقة التي تمت بها والتسرع والعشوائية التي رافقت تطبيقها قد تسببت في أضرار لحقت ببعض الأسر السعودية إضافة إلى الشركات والمؤسسات والمصانع والورش وغيرها فقد أدى تطبيق هذه الإجراءات وعمليات ترحيل آلاف العمالة الأجنبية بشكل فوري مع وقف الاستقدام من بعض الدول التي تشكل المصدر الرئيسي للعمالة المؤهلة والمطلوبة إلى إرباك سوق العمل وخلق مشاكل للأسر السعودية وغير السعودية لتوفير احتياجاتها من العمالة المنزلية من خادمات وخدم وسائقين وحراس منازل وغيرهم... وقد تسبب شح العرض في هذه الفئات إلى ارتفاع غير مسبوق في أجور ومرتبات هذه العمالة بلغ أوجه في هذا الشهر الفضيل حيث نشأت سوق سوداء لتوفير العاملات المنزليات بمرتبات بلغت في بعض الأحيان 7000 ريال مما أدى بدوره إلى تفاقم مشكلات هروب العمالة من كفلائهم..

والسؤال الذي بات يتردد على أسماعنا كل يوم... لماذا طال انتظارنا لتوقيع الاتفاقيات الموعودة مع الدول الرئيسية المصدرة للعمالة الجيدة كالفلبين واندونيسيا والهند وتايلاند وبنجلاديش؟ ولماذا تأخر التوصل إلى تفاهمات تحفظ حقوق جميع الأطراف وتنهي هذا الوضع المتأزم منذ نحو أربعة أعوام...
إننا لا نختلف على أهمية برامج السعودة ولا نقلل من أهمية الجهود التي تبذل في هذا الإطار.. كما أننا لا نشك في ضرورة تصحيح أوضاع العمالة الوافدة.. ولكننا ندعو إلى أن تكون خطواتنا محسوبة وأن تكون قراراتنا مبنية على معايشة حقيقية للواقع الفعلي لأفراد المجتمع وليس على معلومات وأرقام نظرية تحوم الشكوك حول صحة بعضها.

إننا نطمح إلى أن تكون هموم المواطن ومصالحه واستقرار حياته هي المحرك الأول لأي تنظيم أو قرار تتخذه الجهات المسؤولة وعلى رأسها معالي المهندس عادل فقيه وزير العمل.. فذلك هو أحد أهم أسباب السلم الاجتماعي، كما أنه يمثل ركيزة أساسية من ركائز الحكم الرشيد الذي تلتزم به قيادتنا الحكيمة وتسير على نهجه.. ولنا في سيرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم القدوة الخالدة والأسوة الحسنة فقد كان ينتهج أسلوب التدرج في الإصلاح والروية والتؤدة في اتخاذ القرار.. وهو ما صوره أمير الشعراء أبلغ تصوير في قصيدته المعروفة في مدح الرسول حين قال.

                                         «داويت متئدا وداووا طفرة         وأخف من بعض الدواء الداء».